ابن أبي الحديد
181
شرح نهج البلاغة
وقال محمد بن المبارك الصوري : أظهر السمت ( 1 ) بالليل ، فإنه أشرف من سمتك بالنهار ، فإن سمت النهار للمخلوقين ، وسمت الليل لرب العالمين . وقال إبراهيم بن أدهم : ما صدق الله من أحب أن يشتهر . ومن الكلام المعزو إلى عيسى بن مريم عليه السلام : إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته ، وليمسح شفتيه ، لئلا يعلم الناس أنه صائم ، وإذا أعطى بيمينه ، فليخف عن شماله ، وإذا صلى فليرخ ستر بابه ، فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق . ومن كلام بعض الصالحين : آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة . وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " يحسب المرء من الشر - إلا من عصمه الله من السوء - أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه ، إن الله لا ينظر إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " . وقال علي عليه السلام : تبذل لا تشتهر ، ولا ترفع شخصك لتذكر بعلم ، واسكت واصمت تسلم ، تسر الأبرار ، وتغيظ الفجار . وكان خالد بن معدان إذا كثرت حلقته ، قام مخافة الشهرة . ورأي طلحة بن مصرف قوما يمشون معه نحو عشرة ، فقال : فراش نار ، وذبان طمع . وقال سليمان بن حنظلة : بينا نحن حوالي أبي بن كعب نمشي ، إذ رآه عمر فعلاه بالدرة ، وقال له : انظر من حولك ! إن الذي أنت فيه ذلة للتابع ، فتنة للمتبوع . وخرج عبد الله بن مسعود من منزله ، فاتبعه قوم ، فالتفت إليهم ، وقال : علام تتبعونني ! فوالله لو تعلمون مني ما أغلق عليه بابي لما تبعني منكم اثنان . وقال الحسن : خفق النعال حول الرجال مما يثبت عليهم قلوب الحمقى .
--> ( 1 ) السمت : حسن المذهب في الدين .